- يدفع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية، مع تزايد رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة، رغم قرار البنك الأخير بالإبقاء عليها دون تغيير.
- يشير صناع السياسة النقدية إلى اتساع نطاق الضغوط التضخمية بفعل الرسوم الجمركية، واضطرابات إمدادات الغذاء، وتقلبات أسعار الطاقة، والإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يجعل العودة إلى مستهدف التضخم البالغ 2% أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
يُبدي مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي قلقًا متزايدًا إزاء استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، إلى درجة أن عددًا منهم بدأ يناقش علنًا احتمال رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام.
ورغم تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع الأخير، بدأت تظهر تباينات داخل الاحتياطي الفيدرالي، مع استمرار الضغوط السعرية عند مستويات تفوق بكثير مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
التضخم لا يزال مرتفعًا بصورة مقلقة
لا تقدم أحدث بيانات التضخم الكثير من المؤشرات الإيجابية، إذ بلغ معدل التضخم الرئيسي 4.2% على أساس سنوي، بينما ارتفع مؤشر PCE، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، إلى 4.1% على أساس سنوي خلال مايو، مسجلًا أعلى مستوى له منذ أبريل 2023، فيما بلغ مؤشر Core PCE 3.4%، وهو أعلى مستوى له منذ عدة سنوات. ⁽¹⁾
وأعرب رئيس الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، توم باركين، عن قلقه، مؤكدًا أن مستويات التضخم لا تزال مرتفعة للغاية. وأشار إلى وجود بوادر أولية على احتمال بدء تراجع الضغوط التضخمية، لكنه شدد على أن إعادة التضخم إلى مستوى 2% قد يكون أمرًا صعبًا دون اتخاذ إجراءات إضافية من الاحتياطي الفيدرالي أو حدوث تباطؤ في سوق العمل. ⁽²⁾
ويواصل التضخم تسجيل مستويات أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي منذ أكثر من خمس سنوات، وهي فترة طويلة بما يكفي لإثارة مخاوف المسؤولين من أن تؤثر في طريقة تفكير الشركات والمستهلكين بشأن الأسعار على المدى الطويل.

عدة عوامل تدفع الأسعار إلى الارتفاع
ورغم أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة، فإن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي يؤكدون أن الطاقة ليست العامل الرئيسي وراء التضخم.
وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، إن عدة عوامل تسهم في دفع التضخم إلى الارتفاع، من بينها الرسوم الجمركية التي رفعت تكلفة السلع المستوردة، واضطرابات إمدادات الأسمدة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، والتي انعكست بدورها على أسعار الغذاء. ⁽³⁾
كما أشار إلى الارتفاع الكبير في الإنفاق على البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما مراكز البيانات وشبكات الكهرباء.
واتفق باركين مع هذا الطرح، موضحًا أن التوسع في مشاريع الذكاء الاصطناعي يضيف مصدرًا جديدًا للضغوط التضخمية لا يرتبط بأسعار النفط أو السياسات التجارية. وهذا يجعل مهمة الاحتياطي الفيدرالي أكثر صعوبة، لأن هذه الضغوط ليست من النوع الذي يختفي بمجرد التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تعديل الرسوم الجمركية. ⁽⁴⁾
الشركات تحت الضغط… وكذلك الاحتياطي الفيدرالي
وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فالشركات تواجه ضغوطًا من الجانبين؛ إذ ترتفع تكاليف الإنتاج، بينما يرفض المستهلكون تحمل زيادات إضافية في الأسعار، ما يحد من قدرة الشركات على تمرير تلك التكاليف.
ويرى باركين أن الخطر الحقيقي يكمن في تغير السلوك الاقتصادي. فالشركات تحدد أسعار الغد بناءً على معدلات التضخم الحالية، وإذا استمر التضخم مرتفعًا، فإنه سيؤثر في قراراتها المستقبلية المتعلقة بالأجور، والعقود، واستراتيجيات التسعير. وقال: “هذا الأمر يثير قلقي بالفعل.” وأضاف أن هذا الاستمرار في الضغوط التضخمية يجعل مهمة الاحتياطي الفيدرالي أصعب بكثير مما تعكسه الأرقام الرئيسية وحدها. ⁽⁵⁾
وخلال زيارة حديثة إلى غرب ولاية فرجينيا، لاحظ باركين أن العديد من المديرين التنفيذيين لا يزالون غير متأكدين من حجم الزيادات التي ينبغي منحها للأجور خلال العام المقبل. ورغم تراجع أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب، وهو ما خفف من حدة الضغوط، فإن حالة عدم اليقين لا تزال قائمة. ⁽⁶⁾
رهانات رفع أسعار الفائدة تتزايد
جاء أوضح مؤشر على تغير توجهات الاحتياطي الفيدرالي من نيل كاشكاري، الذي صرح بأنه يتوقع الآن تنفيذ رفع واحد لأسعار الفائدة قبل نهاية العام.
وكان كاشكاري قد صوّت في مارس لصالح خفض أسعار الفائدة. وقال: “في يونيو، غيّرت موقفي وأصبحت أتوقع رفعًا واحدًا للفائدة قبل نهاية العام.” لكنه أوضح أن القرار سيظل مرهونًا بالبيانات الاقتصادية التي ستصدر خلال الأشهر المقبلة. ⁽⁷⁾
وبدأت الأسواق بالفعل في تسعير احتمال رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر. أما رئيس الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أوستان غولسبي، فلم يحدد موقفًا واضحًا بشأن الخطوة المقبلة، لكنه أكد أن تركيز الاحتياطي الفيدرالي ينصب حاليًا على التضخم، وليس على سوق العمل الذي لا يزال يتمتع بالاستقرار. ⁽⁸⁾
من جانبه، تبنى رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، نبرة أكثر هدوءًا، معربًا عن توقعه بانخفاض التضخم تدريجيًا، ومؤكدًا أن السياسة النقدية الحالية في وضع مناسب لتحقيق هذا الهدف. ⁽⁹⁾
لقد انتهى الحديث عن خفض أسعار الفائدة، وأصبح السؤال المطروح الآن هو: متى سيتم رفعها؟ وبالنسبة إلى عدد متزايد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من التشديد، بل حول مدى سرعة القيام بذلك، وإلى أي حد يمكنهم الانتظار.