بين ضبابية المشهد الكلي والانتظار: البنك المركزي الأوروبي في وضع الترقّب

بقلم

|

, 

Macro Uncertainty Keeps the ECB in Wait-and-See Mode
  • من المتوقع أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير عند 2.15% للاجتماع الخامس على التوالي، في ظل حالة عدم اليقين التجاري وقوة اليورو. 
  • أحدثت تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب التجارية صدمات في أنحاء أوروبا، خاصة عندما طالب أوروبا ببيع غرينلاند أو مواجهة تعريفات جمركية أعلى. 
  • رغم حالة عدم اليقين التجاري، أظهر اقتصاد منطقة اليورو قدرًا من الصمود، مع تعافي ألمانيا بعد عامين من الانكماش الاقتصادي.
  • مع وصول العملة إلى أعلى مستوياتها منذ 2021، قد يسهم ذلك في كبح التضخم بشكل أكبر مع زيادة تكاليف المصدّرين، ما يضغط على القدرة التنافسية الخارجية. 

يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه في موقف معقّد قبيل اجتماعه المقبل للسياسة النقدية يوم الخميس 5 فبراير.

فبين سياسات ترامب التجارية المتقلبة التي تُبقي الجميع في حالة ترقب، وارتفاع اليورو المستمر، من المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي المسؤولون أسعار الفائدة مستقرة عند 2.15%، وهو ما سيمثل الاجتماع الخامس على التوالي دون تغيير.

سيصدر القرار عند الساعة 17:15 (GMT+4)، يتبعه مؤتمر صحفي لرئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، تراقبه الأسواق عن كثب بحثًا عن أي إشارات حول الخطوة المقبلة للبنك.

تثبيت أسعار الفائدة

يعكس التثبيت المتوقع موقف البنك المركزي الأوروبي الحذر في ظل الضبابية الاقتصادية والسياسية التي تواجه أوروبا حاليًا. وكانت الأسواق المالية قد توقعت سابقًا رفع الفائدة لاحقًا في 2026، لكن هذه التوقعات بدأت تتغير. ويرى بعض الاقتصاديين أن أي زيادات قد لا تتحقق قبل 2028. ⁽¹⁾

جدل غرينلاند يثير القلق

لا تزال حالة عدم اليقين الناتجة عن السياسات الأمريكية تُلقي بظلالها على أوروبا. وظهرت أحدث فصول ذلك في المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث طالب الرئيس ترامب سابقًا بأن تبيع أوروبا غرينلاند للولايات المتحدة أو تواجه تعريفات أعلى.

ورغم تراجعه عن التهديد في اليوم نفسه، وإعلانه بدلًا من ذلك عن إطار اتفاق مع الناتو بشأن غرينلاند، فإن الأثر كان قد وقع بالفعل، إذ استوعبت الأسواق المالية الأوروبية الصدمة.

ومن المرجح أن تُقر لاغارد بأن اقتصاد منطقة اليورو يسير بشكل جيد نسبيًا، لكن المخاطر لا تزال مرتفعة. وقال اقتصادي في بنك سويدبنك: «لقد أظهرت الأسابيع الأولى من 2026 بوضوح أن الصفقات والاتفاقيات التجارية شديدة الهشاشة.» ⁽²⁾

كما أشارت لاغارد إلى أن حالة عدم اليقين الناتجة عن تقلب سياسات ترامب التجارية أهم من أي تهديد جمركي منفرد، لأن عدم القدرة على التنبؤ يضر بثقة الأعمال وقد يبطئ النمو الاقتصادي.

أوروبا تبحث عن شركاء جدد

رغم تراجع ترامب في نهاية المطاف، عززت هذه الواقعة جهود أوروبا لتقوية شراكاتها في أماكن أخرى.

وبناءً على ذلك، وقّعت أوروبا اتفاقًا تجاريًا مع الهند الأسبوع الماضي، بعد اتفاق منفصل مع دول أمريكا الجنوبية في وقت سابق من الشهر نفسه.

معضلة اليورو القوي

ارتفع اليورو إلى أعلى مستوى له منذ 2021، ليصل إلى $1.20 الأسبوع الماضي نتيجة ضعف كبير في الدولار الأمريكي. ورغم أن ذلك يبدو إيجابيًا من جهة، فإنه يخلق تحديات للبنك المركزي الأوروبي.

فعادةً عندما ترتفع العملة بقوة، تصبح صادرات الدولة أكثر تكلفة وينخفض التضخم، وهذا ما يحدث في منطقة اليورو.

ومع توقع بقاء التضخم دون هدف 2% هذا العام والعام المقبل، فهذا ليس ما يرغب صناع السياسات في رؤيته.

الرسم البياني اليومي لزوج EUR/USD  / المصدر: TradingView 

يشدد بعض المسؤولين، ومنهم محافظ البنك المركزي النمساوي كوخر، على ضرورة الاستعداد للتحرك سريعًا عند الحاجة. ومع ذلك، يرى معظم الاقتصاديين أن البنك المركزي الأوروبي لن يخفض الفائدة في الوقت الحالي. وتُسعّر الأسواق احتمالًا يقارب 15% فقط لخفض الفائدة بحلول الصيف. ⁽³⁾

ويهتم البنك المركزي الأوروبي بسرعة تحرك اليورو أكثر من مستواه بحد ذاته.

النظرة الاقتصادية: أسباب للتفاؤل

رغم كل الضبابية، هناك بعض النقاط المضيئة. إذ يرى البنك المركزي الأوروبي حاليًا أن موقف سياسته النقدية مناسب.

ولاحظ المسؤولون أن النشاط الاقتصادي أظهر مرونة أكبر من المتوقع، مع بقاء البطالة عند مستويات منخفضة تاريخيًا، إضافة إلى نظرة إيجابية للتضخم مع توقع بقاء الأسعار قرب الهدف خلال أفق التوقعات. ⁽⁴⁾

مقارنة بين التضخم ونمو الأجور / المصدر: Trading Economics

ورغم استمرار نمو الأجور عند مستويات مرتفعة، سمح الانخفاض الحاد في التضخم بعودة الدخل الحقيقي إلى المنطقة الإيجابية في أنحاء منطقة اليورو.

أنهى اقتصاد منطقة اليورو عام 2025 على نحو قوي بنمو بلغ 1.5%، ويصل إلى أعلى مستوى له منذ عام 2022. أما ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، فقد شهدت نموًا متباينًا منذ 2022، لكنها أظهرت أخيرًا بوادر تعافٍ مع تسجيل نمو 0.2% في 2025، بعد انكماش قدره 0.9% في 2023 و0.2% في 2024. ⁽⁵⁾

الناتج المحلي الإجمالي الفصلي لألمانيا / المصدر: Trading Economics

وبالنظر إلى المستقبل، يتوقع الاقتصاديون نموًا قدره 1.2% لألمانيا هذا العام، مع اعتماد جزء كبير من هذا التفاؤل على زيادة الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والدفاع. ومن المتوقع أن تستفيد ألمانيا من هذه الاستثمارات أكثر من غيرها في منطقة اليورو. ⁽⁶⁾

عامل الاحتياطي الفيدرالي

عادت مسألة استقلالية البنوك المركزية إلى الواجهة بعد استدعاء رئيس الاحتياطي الفيدرالي باول أمام هيئة محلفين كبرى في يناير، بالتزامن مع مطالب ترامب بخفض أسعار الفائدة.

وإذا خفّض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة أكثر، فقد يضعف الدولار بشكل ملحوظ ويغذي التضخم. وفي المقابل، قد يؤدي اليورو القوي إلى إبقاء الفائدة مرتفعة وزيادة مخاطر الاستقرار المالي.

كما ساعد ترشيح ترامب لكيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي المقبلة الدولار على استعادة بعض مكاسبه بعد خسائر كبيرة، نظرًا لموقفه المتشدد تجاه التضخم.

وأصدر البنك المركزي الأوروبي بيانًا مشتركًا نادرًا مع بنوك مركزية كبرى أخرى في وقت سابق من يناير، عبّر فيه عن دعمه لباول، مؤكدًا أن استقلالية البنوك المركزية ضرورية لاستقرار الأسعار والنظام المالي.

ما التالي لأسعار الفائدة؟

تُظهر أحدث توقعات البنك المركزي الأوروبي أن التضخم سيبقى دون 2% بقليل هذا العام والعام المقبل، قبل بلوغ الهدف في 2028. ويرى معظم الاقتصاديين أن مخاطر الهبوط على التضخم أكبر في الأشهر المقبلة، مقابل مخاطر صعودية أكبر في 2027. ⁽⁷⁾

وفي الوقت الحالي، يقول كبير اقتصاديي البنك المركزي الأوروبي فيليب لاين إن البنك لن يناقش أي تغييرات في الفائدة. لكن مع وجود ترامب في البيت الأبيض وارتفاع اليورو، قد يتغير هذا الهدوء في أي لحظة. ⁽⁸⁾

المصادر: ⁽¹⁾ ⁽²⁾ ⁽³⁾ Reuters رويترز، ⁽⁴⁾ ⁽⁵⁾ ⁽⁶⁾ Trading Economics تريدينغ إيكونوميكس، ⁽⁷⁾ ⁽⁸⁾ Bloomberg بلومبرغ

مميزةمقالات

ماذا تعني عوائد سندات الخزانة الأمريكية عند 5% فعليًا بالنسبة للأسهم والذهب والدولار

كيف تغذي المناطق الحرة الإماراتية أرباح الشركات المدرجة في DFM وADX

اليابان تبيع السندات الأجنبية، فهل تعود الأموال إلى الداخل فعلًا؟

هل ألهمك السوق؟

حوّل العناوين العالمية إلى فرص استثمارية مع ضمان ماركتس.

مشاركة

هذا ليس نصيحة استثمارية. الأداء السابق لا يُعد مؤشرًا على النتائج المستقبلية. رأس مالك في خطر، يُرجى التداول بمسؤولية.

المؤلف: