عادت كل من أستراليا ونيوزيلندا إلى مسار تشديد السياسة النقدية، لكن كلًا منهما وصلت إلى هذه المرحلة عبر مسار مختلف تمامًا.
فنيوزيلندا تتعامل مع صدمة في أسعار النفط، وتسعى إلى منع ارتفاع تكاليف الوقود من التحول إلى دوامة من ارتفاع الأجور والأسعار.
أما أستراليا، فلم تتمكن أساسًا من التخلص من مشكلة التضخم، والآن يزيد ضعف الإنتاجية من صعوبة معالجتها. وبالتالي، يتجه البنكان المركزيان في المسار نفسه، لكن لكل منهما معركة مختلفة.
وتتمتع أستراليا حاليًا بفارق في أسعار الفائدة يبلغ 160 نقطة أساس، إذ يبلغ سعر الفائدة النقدي لدى بنك الاحتياطي الأسترالي (RBA) نحو 4.35%، مقابل سعر الفائدة الرسمي (OCR) لدى بنك الاحتياطي النيوزيلندي (RBNZ) البالغ 2.75%. وسيكون تقلص هذا الفارق أو استمراره عاملًا مهمًا في تحديد تحركات زوج AUD/NZD.

بنك الاحتياطي النيوزيلندي: تشديد السياسة رغم هشاشة الاقتصاد
رفع بنك الاحتياطي النيوزيلندي (RBNZ) سعر الفائدة الرسمي (OCR) بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.75%، في ثاني زيادة متتالية منذ بدء دورة جديدة من التشديد النقدي في يوليو. وكانت دورة التيسير السابقة قد خفضت سعر الفائدة الرسمي من 5.50% إلى 2.25% بين أغسطس 2024 ونوفمبر 2025، قبل أن يبدأ البنك الآن انعكاسًا واضحًا في مسار السياسة النقدية.
وتأتي معظم الضغوط من أسعار الوقود. فقد بلغ التضخم العام 4.1% في الربع الثاني، مدفوعًا إلى حد كبير بتكاليف الوقود المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط. لكن عند استبعاد وقود المركبات، يتراجع التضخم إلى 2.9%، ليصبح ضمن النطاق المستهدف لبنك الاحتياطي النيوزيلندي البالغ بين 1% و3%. ⁽¹⁾

ويفسر هذا الفارق بين التضخم العام والتضخم باستثناء الوقود سبب عدم محاولة بنك الاحتياطي النيوزيلندي عكس الارتفاع الأولي في الأسعار.
فالسياسة النقدية لا تستطيع عكس صدمة نفطية، لكنها تستطيع منع انتقال آثار هذه الصدمة إلى تكاليف النقل وأسعار الغذاء والأجور، وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
ويتوقع بنك الاحتياطي النيوزيلندي أن يظل التضخم عند 3.9% حتى أواخر 2026، قبل أن يتراجع إلى 1.9% بحلول أوائل 2028، في حين يُتوقع أن يرتفع متوسط سعر الفائدة الرسمي من 2.6% إلى 3.2%.
لكن بعيدًا عن أرقام التضخم، يقدم سوق العمل صورة أكثر ضعفًا. فقد ارتفع معدل البطالة إلى 5.6% في الربع الثاني، ومن المتوقع أن يظل مرتفعًا حتى 2028. ⁽²⁾
في المقابل، حافظ النمو على قدر من الصمود، إذ نما الاقتصاد بنسبة 0.8% على أساس فصلي في الربع الأول من 2026، ارتفاعًا من 0.5% في الربع السابق بعد تعديلها بالزيادة. ومع ذلك، لا تزال الأجور الحقيقية تتخلف عن التضخم، فيما تبقى أسعار المنازل ضعيفة وتزيد الأسر من مدخراتها بدافع الحذر. ⁽³⁾
وتتوقع الأسواق وصول سعر الفائدة الرسمي إلى نحو 3% بحلول نهاية العام، في إشارة إلى أن الأوضاع المالية بدأت بالفعل في التشدد حتى قبل أن يتخذ بنك الاحتياطي النيوزيلندي أي خطوة إضافية.
بنك الاحتياطي الأسترالي: استمرار التضخم يبقي احتمال رفع الفائدة قائمًا
أبقت أستراليا سعر الفائدة النقدي عند 4.35% في أغسطس، لتتوقف مؤقتًا بعد ثلاث زيادات متتالية بمقدار 25 نقطة أساس في وقت سابق من العام، رفعت إجمالي التشديد النقدي خلال 2026 إلى 75 نقطة أساس.
لكن هذا التوقف لا يعني انتهاء المعركة مع التضخم. فقد تباطأ التضخم العام إلى 3.5% في يوليو، بينما ظل مقياس المتوسط المقلّم للتضخم، الذي يفضله بنك الاحتياطي الأسترالي (RBA)، عند 3.6%، ما يشير إلى أن الضغوط التضخمية الأساسية لا تتراجع من تلقاء نفسها. ⁽⁴⁾
وعلى عكس نيوزيلندا، حيث تفسر أسعار الوقود الجزء الأكبر من ارتفاع التضخم، أوضح بنك الاحتياطي الأسترالي أن تكاليف الطاقة تزيد من ضغوط تضخمية كانت مرتفعة بالفعل. وهذا يجعل مشكلة التضخم في أستراليا أوسع نطاقًا، وربما أكثر صعوبة في المعالجة.

كما أن ضعف الإنتاجية لا يساعد في تحسين الوضع. فلا يزال الاقتصاد يعمل في ظل طاقة فائضة محدودة، فيما يبقى سوق العمل ضيقًا نسبيًا رغم بدء تباطؤه. ولا يتوقع بنك الاحتياطي الأسترالي استقرار التضخم بالقرب من مستهدفه البالغ 2.5% قبل أواخر 2027 أو أوائل 2028، وهي فترة أطول بكثير مقارنةً بنيوزيلندا. ⁽⁵⁾
في الوقت نفسه، أظهر النمو الاقتصادي قدرًا من الصمود. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4% في الربع الثاني، بعد نموه بنسبة 0.3% في الربع الأول، ما رفع معدل النمو السنوي إلى 2.1%، متجاوزًا توقعات بنك الاحتياطي الأسترالي في أغسطس والبالغة 1.9%. كما بلغ نمو الأجور 3.2% على أساس سنوي، في وقت انخفض فيه الناتج المحلي الإجمالي لكل ساعة عمل بنسبة 0.2%. ويعني ذلك أن الأجور ترتفع بوتيرة أسرع مما تسمح به مكاسب الإنتاجية، وهي معادلة تميل إلى إبقاء التضخم مرتفعًا لفترة أطول. ⁽⁶⁾
وبدأت بعض مؤشرات الضعف تظهر في سوق العمل. فقد ارتفع معدل البطالة من 4.4% إلى 4.5% في يوليو، بعدما فقد الاقتصاد 15,800 وظيفة. ومع ذلك، يرى بنك الاحتياطي الأسترالي أن سوق العمل لا يزال أكثر ضيقًا بقليل من مستوى التوظيف الكامل، ويتوقع ارتفاع معدل البطالة تدريجيًا إلى 4.8% بحلول نهاية 2028. ⁽⁷⁾
ورأى عدد من أعضاء مجلس إدارة البنك أن مخاطر ارتفاع التضخم قد تتحقق وتستدعي مزيدًا من التشديد النقدي. ومع ذلك، قرر المجلس تثبيت أسعار الفائدة، مراهنًا على أن الزيادات السابقة بدأت في تهدئة الاقتصاد، ومفضلًا انتظار المزيد من البيانات قبل اتخاذ خطوات إضافية. ⁽⁸⁾
ولا يزال رفع الفائدة مرة أخرى احتمالًا قائمًا إذا أثبت التضخم أنه أكثر استمرارًا من المتوقع. لكن في الوقت الحالي، يراقب صناع السياسة كيفية استيعاب الاقتصاد لتشديد نقدي بلغ 75 نقطة أساس قبل اتخاذ أي خطوة أخرى.
ماذا يعني اختلاف المسارين لزوج AUD/NZD؟
رفع البنكان المركزيان أسعار الفائدة، لكنهما لا يخوضان المعركة نفسها. فبنك الاحتياطي النيوزيلندي يحاول احتواء التداعيات غير المباشرة لصدمة خارجية لم يكن له دور في حدوثها.

ويظهر فارق أسعار الفائدة لأجل عامين بوضوح في الرسم البياني أعلاه. فقد اتسع فارق عوائد السندات لأجل عامين بين أستراليا ونيوزيلندا إلى نحو 100–110 نقاط أساس لصالح أستراليا، ليقترب من أوسع مستوياته في أكثر من عامين. وتحرك زوج AUD/NZD بشكل وثيق مع اتساع هذا الفارق، حيث يجري تداوله بالقرب من الحد الأعلى لنطاقه خلال الفترة 2024–2026 عند نحو 1.22.
وسيختبر حدثان رئيسيان ما إذا كان هذا الفارق قد بلغ ذروته بالفعل. إذ يعقد بنك الاحتياطي الأسترالي اجتماعه في 29 سبتمبر، بينما يصدر قرار بنك الاحتياطي النيوزيلندي بشأن أسعار الفائدة في 28 أكتوبر.