- أرسى نظام البترودولار، الذي تبلورت ملامحه في منتصف سبعينيات القرن الماضي، قاعدةً تقضي بأن تُقوَّم صفقات النفط حول العالم وتُسوَّى بالدولار الأمريكي، مما خلق طلبًا هيكليًا عالميًا على العملة الأمريكية دعم هيمنة الدولار على الاحتياطيات العالمية طوال خمسة عقود.
- تربط خمس من دول مجلس التعاون الخليجي الست عملاتها ربطًا صارمًا بالدولار الأمريكي، مما يُنشئ قناة نقل مباشرة بين قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة وميزانيات حكومات الخليج وتكاليف الاقتراض والاستقرار المالي.
- تتسارع جهود إزاحة الدولار، غير أن الدولار الأمريكي لا يزال يستأثر بنحو 80% من إجمالي معاملات النفط العالمية⁽¹⁾، فيما تظل العقبات الهيكلية أمام إحلاله سريعًا عقبات جوهرية.
تسير أسواق النفط على الدولار الأمريكي. ليس بموجب معاهدة دولية رسمية، بل بفضل ترتيب اقتصادي تبلور في سبعينيات القرن الماضي، وأثبت من الناحية الهيكلية ملاءمةً بالغة أتاحت له الصمود نصف قرن. نظام البترودولار هو السبب في أن كل برميل نفط خام يُتداول دوليًا يُسعَّر ويُسوَّى بالدولار الأمريكي.
وبالنسبة لاقتصادات مجلس التعاون الخليجي التي تكسب وتضع ميزانياتها وتقترض بتلك الدولارات ذاتها، تمتد التداعيات لتتجاوز مجرد اتفاقية تسعير
كيف يعمل نظام البترودولار
يعود هذا الترتيب إلى حظر النفط عام 1973 وتداعياته. كانت الولايات المتحدة قد تخلّت عن معيار الذهب عام 1971، وباتت واشنطن بحاجة إلى ركيزة هيكلية جديدة لدعم الطلب العالمي على الدولار.
في أواخر عام 1974، توصلت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى تفاهم ثنائي⁽²⁾ ظلت تفاصيله طيّ الكتمان حتى حصلت بلومبرغ عليها عام 2016 عبر طلب قانون حرية المعلومات، وقضى هذا التفاهم بأن تُسعِّر المملكة صادراتها النفطية بالدولار وتُعيد استثمار فوائضها في سندات الخزانة الأمريكية مقابل الحصول على دعم عسكري. وبحلول عام 1975، اعتمدت جميع أعضاء منظمة أوبك التسعير بالدولار حصرًا⁽²⁾. وبات على كل دولة مستوردة للنفط في العالم امتلاك دولارات أمريكية لشراء الطاقة، مما رسّخ الطلب الهيكلي العالمي على العملة
كان أثر ذلك على مكانة الدولار الاحتياطية فوريًا وراسخًا. في نهاية عام 2024، بلغت حصة الدولار الأمريكي 57.8% من إجمالي الاحتياطيات الرسمية العالمية من النقد الأجنبي⁽³⁾، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، بانخفاض عن ذروتها البالغة 72% عام 2001، غير أنها لا تزال تتفوق بفارق كبير على أي عملة منافسة.
ماذا يعني ذلك لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي؟
تربط خمس من دول مجلس التعاون الخليجي الست عملاتها ربطًا صارمًا بالدولار الأمريكي: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وعُمان. وقد ظل الريال السعودي مثبتًا عند 3.75 مقابل الدولار منذ عام 1986⁽⁴⁾. أما الدينار الكويتي فمرتبط بسلة عملات، إلا أنه يحتفظ بثقل دولاري ملحوظ.
يُنشئ هذا الربط قناة مباشرة بين الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والصحة المالية لدول الخليج. حين يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، تسير البنوك المركزية الخليجية في الغالب على خطاه دفاعًا عن ربط عملاتها، مما يرفع تكاليف الاقتراض المحلية بالتوازي.
كما يؤثر ارتفاع قيمة الدولار في القوة الشرائية الحقيقية لعائدات النفط: فالدولار الأقوى يُمكِّن حكومات مجلس التعاون من شراء كميات أكبر من السلع والخدمات المُسعَّرة عالميًا بعائدات البرميل ذاتها، لكنه يُعلي تكلفة خدمة الديون المُقيَّمة بالدولار ويُضيِّق هوامش ميزانيات الاستيراد.
وحين يُيسِّر الاحتياطي الفيدرالي سياسته، تفقد العائدات المُقيَّمة بالدولار قدرًا من قوتها الشرائية النسبية، فيتقلص هامش المرونة المالية. وتُضاف إلى ذلك صناديق الثروة السيادية الخليجية التي تحتفظ بمراكز ضخمة في سندات الخزانة الأمريكية، إذ تتحرك قيمة تلك المراكز تبعًا للسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، مما يُضيف طبقة ثانية من التأثير المباشر للقرارات النقدية الأمريكية على الميزانيات الخليجية.
حين يواجه نظام البترودولار ضغوطًا
أضفت الاضطرابات الجيوسياسية في عامَي 2025 و2026، ولا سيما التصعيد في مضيق هرمز، مزيدًا من الحدة على النقاش حول مدى صمود هذا النظام. أطلقت الصين عقود النفط الآجلة المُقيَّمة باليوان عام 2018، ووسّعت نطاق التسوية بالرنمينبي، لا سيما مع المصدِّرين الخاضعين للعقوبات كروسيا وإيران.
وفي عام 2024، لم تتجاوز حصة اليوان في تسوية التجارة العابرة للحدود 3.7%⁽⁵⁾ وفق بيانات S&P Global، في حين يستأثر الدولار بنحو 80% من معاملات النفط العالمية⁽¹⁾. وتظل العقبات الهيكلية أمام إحلاله عقبات جوهرية: عمق أسواق سندات الخزانة الأمريكية، وتأثيرات الشبكة المتراكمة على مدى خمسة عقود من عقود النفط المُسعَّرة بالدولار، وغياب حساب رأس المال الصيني المنفتح انفتاحًا كاملًا، كل ذلك يُقيِّد تبنّي بديل آخر بصرف النظر عن الزخم السياسي
الدولار القوي قد يُثبِّط الطلب على النفط أيضًا
يُفرز نظام البترودولار حلقة تغذية راجعة قد تعمل ضد الدول المنتجة. لأن النفط مُسعَّر بالدولار، فإن ارتفاع قيمة العملة الحاد يُغلِّي البرميل ذاته أمام المشترين العاملين باليورو أو الين أو الروبية أو غيرها من العملات غير الدولارية. وقد وثّق البنك المركزي الأوروبي هذه العلاقة العكسية⁽⁶⁾: يميل ارتفاع الدولار إلى خفض استهلاك النفط في الاقتصادات المستوردة لرفعه التكلفة الفعلية بعملاتها المحلية. ويُفضي ذلك بالنسبة لمنتجي مجلس التعاون إلى تضارب هيكلي: فالدولار الأقوى يرفع القوة الشرائية الاسمية لعائداتهم، بينما يُقلِّص في الوقت ذاته حجم الطلب العالمي على السلعة التي تُولِّد تلك العائدات.
الخاتمة
لا يمكن تفكيك نظام البترودولار بين عشية وضحاها. فهو سمة هيكلية راسخة في بنية التمويل العالمي، متجذِّرة في ممارسات البنوك المركزية الاحتياطية واتفاقيات تسوية أسواق السلع والهندسة المالية لاقتصادات مجلس التعاون الخليجي السيادية. وإدراك كيفية نقل الصلة بين الدولار والنفط لقرارات الاحتياطي الفيدرالي إلى الميزانيات الخليجية أمرٌ لا غنى عنه لتفسير المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة.
المصادر: ⁽¹⁾ جي بي مورغان، ⁽²⁾ بلومبرغ، ⁽³⁾ صندوق النقد الدولي، ⁽⁴⁾ البنك المركزي السعودي (ساما)، ⁽⁵⁾ S&P Global، ⁽⁶⁾ البنك المركزي الأوروبي