- ارتفعت عوائد السندات الحكومية بشكل حاد في عدة اقتصادات كبرى هذا العام، مع تزامن صدمة تضخمية ناجمة عن الطاقة مع مستويات مرتفعة من الدين الحكومي
- تقف قوتان رئيسيتان وراء جزء كبير من هذا التحرك: تسعير الأسواق لمسار أعلى لأسعار الفائدة مع تصاعد مخاطر التضخم، ومطالبة المستثمرين بتعويض أكبر مقابل الاحتفاظ بالدين الحكومي طويل الأجل في ظل الاقتراض الكثيف وعدم اليقين المالي
- في دولة الإمارات، يمكن لربط الدرهم بالدولار أن ينقل تحركات أسعار الفائدة الأمريكية إلى تكاليف الاقتراض المحلية، كما أظهرت زيادة سعر الفائدة الأساسي في سبتمبر
عائد السند هو العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل إقراض الأموال لحكومة ما. وعندما ترتفع عوائد السندات، تدفع تلك الحكومة تكلفة أعلى للاقتراض، وكذلك الأسر والشركات التي تُسعَّر قروضها استنادًا إليه.
هذا العام، ترتفع العوائد في عدة اقتصادات كبرى في آن واحد. باعت فرنسا في أوائل سبتمبر ديونًا لأجل 10 سنوات بأعلى معدل فائدة منذ عام 2008. ⁽¹⁾ وبلغ عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له منذ عام 1996 في 24 سبتمبر. ⁽²⁾ وقبل ذلك بيوم واحد، أظهر منحنى العائد اليومي لوزارة الخزانة الأمريكية أن عائد السندات لأجل 30 عامًا بلغ 5.40%. ⁽³⁾
تقف عدة عوامل وراء هذا التحرك، وهي عوامل يغذي بعضها بعضًا.
صدمة الطاقة تعيد إحياء مخاوف التضخم
يدفع السند مبلغًا ثابتًا من الفائدة. والتضخم يقلّص من القيمة الفعلية لذلك المبلغ الثابت.
لذلك عندما يتوقع المستثمرون ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع، يطلبون عائدًا أعلى مقابل الإقراض.
وقد غذّى الصراع في الشرق الأوسط هذا التوقع، إذ تنتقل تكاليف الطاقة الأعلى إلى أسعار الوقود والنقل والسلع. وقال البنك المركزي الأوروبي هذا الشهر إن الصراع “لا يزال يولّد ضغوطًا تضخمية”، ويتوقع خبراؤه الآن أن يبلغ متوسط التضخم في منطقة اليورو 3.0% في عام 2026، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف 2%. ⁽⁴⁾
البنوك المركزية تعود إلى رفع أسعار الفائدة
استجابت البنوك المركزية لمخاطر التضخم هذه. ففي 10 سبتمبر، رفع البنك المركزي الأوروبي سعر فائدة الودائع بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 2.50%. ⁽⁴⁾
وبعد ستة أيام، صوّت مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بإجماع 12 صوتًا مقابل صفر على رفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة إلى 3.75%-4.00% ⁽⁵⁾، في أول رفع لأسعار الفائدة من جانب الفيدرالي منذ عام 2023.
تتبع العوائد قصيرة الأجل أسعار الفائدة الرسمية عن كثب. أما العوائد طويلة الأجل فتعكس المستوى الذي يتوقع المستثمرون أن تستقر عنده أسعار الفائدة طوال عمر السند.
وعندما تبدأ الأسواق في تسعير المزيد من رفعات الفائدة، ترتفع العوائد عبر جميع آجال الاستحقاق، وليس فقط الآجال الأقصر.
الدين القياسي يعني مزيدًا من السندات المطروحة للبيع
القوة الثانية هي العرض. فقد تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي 40 تريليون دولار في 18 أغسطس، وفقًا لبيانات وزارة الخزانة ⁽³⁾، ومن المتوقع أن تتجاوز تكاليف الفائدة وحدها تريليون دولار في السنة المالية 2026. ⁽⁶⁾
يُموَّل كل عجز عبر بيع سندات جديدة. ويمكن للاقتراض الكثيف أن يضغط على العوائد باتجاه الصعود إذا طالب المستثمرون بتعويض أكبر مقابل استيعاب العرض الإضافي، خصوصًا عندما تتصاعد المخاطر المالية في الوقت ذاته.
وقد يطلب المستثمرون الذين يجمّدون أموالهم لثلاثة عقود تعويضًا إضافيًا أيضًا مقابل مخاطر أن يكون التضخم أو العجز أسوأ من المتوقع.
وهذا يخلق حلقة تغذية راجعة؛ فمع مرور الوقت، ترفع العوائد الأعلى فاتورة فائدة الحكومة عند إعادة تمويل الدين القائم، ما قد يوسّع العجز ويزيد من احتياجات الاقتراض المستقبلية.
فرنسا تدفع الآن أكثر من اليونان
جزء من هذا الارتفاع خاص بدول بعينها. ففي مزاد 3 سبتمبر، بلغ عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات 4.23%، وتداول في السوق أعلى من نظيره اليوناني، عند 4.223% مقابل 4.057%. ⁽¹⁾
ويمثل ذلك انعكاسًا لافتًا مقارنة بحقبة أزمة ديون منطقة اليورو، حين كان الدين الحكومي اليوناني يتداول بعوائد أعلى بكثير، وتلقت اليونان حينها مساعدات مالية دولية.
يشترك البلدان في البنك المركزي نفسه، لذا فإن الفجوة لا تنبع من أسعار الفائدة الرسمية، بل تعكس اختلافًا في الطريقة التي يسعّر بها المستثمرون الآفاق المالية لكل حكومة، والمخاطر السياسية، وعوامل السوق الأخرى.
سجّلت فرنسا عجزًا بنسبة 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وبلغ دينها 117.5% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية الربع الأول من عام 2026. ⁽⁷⁾ وتتفاوض حكومتها حاليًا بشأن خفض الإنفاق في ميزانية عام 2027. ⁽¹⁾
العوائد تنتقل عبر الحدود
أسواق السندات مترابطة فيما بينها. إذ يقارن كبار المستثمرين العوائد على مستوى العالم، بحيث يدفع أي تحرك حاد في سوق كبرى الأسواق الأخرى إلى التكيف.
في 23 سبتمبر، قفز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات من 4.96% إلى 5.11% ⁽³⁾ بعد أن أحيا مسح لمديري المشتريات جاء أقوى من المتوقع مخاوف التضخم. وكان ذلك أحدّ ارتفاع يومي منذ اضطراب السوق في “يوم التحرير” في أبريل 2025. ⁽²⁾
وتبعتها العوائد اليابانية في صباح اليوم التالي. وأضاف ضعف الين مزيدًا من الضغط، إذ يرفع تكاليف الاستيراد والأسعار المحلية. ⁽²⁾
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للاقتراض في الإمارات
الدرهم الإماراتي مربوط بالدولار الأمريكي، لذا يعمد مصرف الإمارات المركزي عادةً إلى تعديل سعر الفائدة الرسمي بما يتماشى مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وفي 16 سبتمبر، أعلن مصرف الإمارات المركزي رفع سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.90%، اعتبارًا من 17 سبتمبر، عقب خطوة مماثلة من الفيدرالي في اليوم نفسه. ⁽⁸⁾
يمكن أن تنتقل التغيرات في سعر الفائدة الرسمي لمصرف الإمارات المركزي إلى EIBOR، الذي يُستخدم كمعدل مرجعي للعديد من الرهون العقارية والقروض الأخرى في الإمارات. ويشعر المقترضون بقروض عقارية ذات فائدة متغيرة بالتغيير أولًا، بينما قد يرى المدّخرون أسعار الفائدة على الودائع ترتفع تبعًا لسعر الفائدة الأساسي.
ويوضح تقرير سابق لـDaman حول ربط الدرهم بالدولار سبب ضآلة هامش المناورة المتاح أمام مصرف الإمارات المركزي للخروج عن هذا المسار.
طبقتان وراء تحرك واحد
ينبع جزء كبير من الارتفاع العالمي في العوائد من طبقتين. الأولى هي السياسة النقدية: رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة في مواجهة التضخم الناجم عن الطاقة، وهي طبقة تميل إلى التحرك مع كل بيانات تضخم جديدة.
أما الثانية فهي الدين: اقتراض قياسي يتطلب من المستثمرين الاحتفاظ بمزيد من السندات الحكومية ولفترات أطول. وتميل هذه الطبقة إلى الاستمرار طالما بقي العجز كبيرًا.
المصادر: ⁽¹⁾ AFP، ⁽²⁾ Reuters، ⁽³⁾ U.S. Department of the Treasury، ⁽⁴⁾ European Central Bank، ⁽⁵⁾ Federal Reserve، ⁽⁶⁾ Committee for a Responsible Federal Budget، ⁽⁷⁾ INSEE، ⁽⁸⁾ Central Bank of the UAE